حيدر حب الله
78
مسألة المنهج في الفكر الديني
فمن العجيب ما نجده لدى بعض المعارضين للقياس من نقدهم لصورته القديمة البالية ، دون التفات إلى حدوث تطوّرات فيه ، ينبغي درسها ثم تأييدها أو نقدها في مرحلةٍ أخرى ، بل حتّى مفهوم الإمامة في الفكر الشيعي لم يبق على حاله الأولى ، بل عرف تطوّرات كبيرة جداً ومختلفة الأبعاد ، فنحن لا نريد أن نوفّق ونقارب بين أهل السنّة الذين يعيشون في القرن الخامس الهجري وإخوانهم الشيعة في القرن نفسه ، لنحلّ صراعاتهم آنذاك في مدينة بغداد ، حتى نذهب إلى مصادرهم في ذلك القرن ، ولا ننظر لما حدث بعد ذلك من قرون ، بل نريد التوفيق بين شيعة القرن الخامس عشر وسنّة القرن نفسه ، ومن ثم فنحن مطالبون بدرس العقائد الحالية للمذاهب ، علاوة على درس تطوّرها التاريخي ، وهذا ما يعني أنّ مصادر الملل والنحل التقليدية والآراء الكلامية المدرجة في كتب الكلام لم تعد هي المرجع الوحيد لتحديد مواقف مذهبٍ أو آخر ، إذ لعلّ الكثيربل هذا هو الواقع - مما هو مسطور من آراء في مصادر الكلام والنحل إما انقرض إلى غير رجعة ، أو حدثت فيه تحوّلات جذرية أو طفيفة ، ومن ثم لا يحكم على أساسه حكم نهائي ، وهذه قضيّة حساسة وخطيرة في الوقت نفسه . أضف إلى ذلك ، إن المذهب الواحد ربما لا يلتقي في تمام النظريات الكلامية ، فلا يجدر بالشيعي تصوّر أن أهل السنّة برمّتهم قائلون بالقياس ، أو حاكمون على الحسين عليه السلام باستحقاق القتل لخروجه عن سلطان زمانه ، لأجل أن فريقاً من أهل السنّة ذكر ذلك ، كما لا يصحّ تصوّر أنّ الشيعة يقولون بتحريف القرآن ، أو الولاية التكوينية لأهل البيت عليهم السلام ، لأن فريقاً منهم قال بذلك ، فالبعض ما زال إلى اليوم - مع الأسف ينسب آراء الإسماعيلية إلى الإمامية ، إذاً فيجب فهم الانشعابات الداخلية للمذاهب والفرق في العصر الحاضر ، حتى لا نقع في تعميمات زائفة ، أو نصدر أحكاماً مجانبةً للصواب . على صعيدٍ آخر ، غرق علم الكلام في الجدل الداخلي ، فنافحت المذاهب فيه عن عقائدها واستخدمته لتثبيت أركانها ، أكثر مما نافح فيه المسلمون عن